أوهام قاتلة _للكاتبة: سوسن نبيل عامر


مسكينة هي.. 

صراع داخلي تعيشه منذ أشهر.. حرب اندلعت بينها وبين نفسها من سيوقف هذه الحرب؟ من سيخمد نارها؟ أي نارٍ هذه التي اشتعلت بداخلها وهزت كيانها لتقلب حياتها رأساً على عقب.. إنها نار الحب ممزوجةً بنكهة الوهم 

ذاك الوغد أحقاً يحبها؟!.. هي تعترف أنه يحبها بل ومتأكدة من ذلك وهي الأخرى ترفض هذا.. 

أي معادلة هذه؟ إلى متى؟ إلى متى ستبقى تكابد ذاك الصراع الأليم؟ 

واقفة بأقدامٍ تأبى الرحيل.. 

مئات الأفكار والأسئلة تدور في رأسها لاتملك حق الإجابة عليها

ماذا تفعل بتفاصيلك المحفورة على جدار ذاكرتها؟ 

كيف تمضي سبيلاً وأقدامها مازالت مسمرة في أرضكَ؟ 

كانت ليلة ماطرة شديدة البرودة والرياح تعصف في الخارج والرعد يدوي في السماء زويا خائفة ولم يكن أحد سواها في المنزل

يستوقفها صوت نغمة هاتفها.. إنه سام 

بيدان مرتجفتان تمسك الهاتف لتجيب.. 

سام بصوت مختنق: "زويا أنا متعب جداً ومريض" 

زويا: "مابكَ يا سام ما الخطب" 

سام: "قلت لكِ أنني متعب يخيل إليّ أنني أعيش لحظاتي الأخيرة"

زويا "إنه مجرد وهن دعكَ من تضخيم الأمر.. أما أنا لا أدري كيف ستمضي هذه الليلة يا سام أنا جداً خائفة"

عمّ الصمت قليلاً وزادت حدة الخوف في قلبها..

سام هل تسمعني؟ أين أنت؟

لا إجابة تصل إليها من الطرف الأخر الثواني أصبحت كالساعات تسير ببطءٍ شديد..

أغلقت زويا الهاتف ونهضت مسرعةً إلى الخارج اجتازت الطريق المجاور لمنزلها حتى وصلت إلى بيت سام حاولت أن تفتح الباب الذي تركه سام دون قفل كاد قلبها أن يتوقف من شدة الخوف دخلت مسرعةً وهي تنادي باسمه لتجده مستلقياً على سريره أخذت توقظه حتى فتح عينيه أحاطها بذراعيه وضمها إلى صدره ارتعش جسدها وقفزت مبتعدة عنه.. سام ماذا تفعل؟!

نهض من مكانه وأغلق الباب اقترب منها ودس رأسه بين خصلات شعرها

صرخت مذعورةً.. سام افتح الباب أرجوك لماذا فعلت هذا؟ 

اصمتي لا أريد أن أسمع منكِ شيئاً 

اقترب منها هامساً.. 

ماذا فعلتي بي حتى أصبحت لاأرى غيركِ في الوجود.. عيناكِ التي أغرقتني في غيبوبة عشق عند كل نظرة منكِ.. انحناءات جسدكِ عندما تمرين أمامي.. بي ظمأ لايرويه إلا أنتِ.. وجوع لا يشبعه إلا أنتِ

زويا تبكي بحرقةٍ.. لاتفعل هذا أرجوك لاتخذلني

مرت تلك الليلة وكأنها كابوس لم تستيقظ منه أبداً.

بقي سام على حاله يتأمل سقف الغرفة وهي إلى جانبه بلباسها المكشوف الذي لا يغطي سوى جزء بسيط من جسدها والدموع تسيل على وجنتيها..

استجمعت قواها ونهضت ترتدي ملابسها ثم غادرت المنزل بهدوءٍ تام دون أن تنبس بكلمة، مشت بخطواتٍ متثاقلة تبكي ألماً على فعلته التي فعلها بها وتردد ذات السؤال كيف تجرأ على فعل ذلك؟ أهذا هو الحب الكبير الذي خدعني به طيلة سنوات؟

مضى يومٌ لم تكلمه زويا حتى هو لم يحاول أن يكلمها، استيقظت زويا صباح اليوم الثالث على خبر وفاة سام إثر حادث سير أليم

دخلت في غيبوبة إثر صدمة الخبر، فما هي إلا بضع دقائق حتى زال الغباش عن عينيها واستعادت بصيرتها، مضت دقائق حتى استوعبت ما سمعته وراحت تبكي بحرقةٍ شديدة وتتذكر كل لحظاتها معه ويزداد بكائها حدة على مافعله بها. 

جراء صدمتها بخبر وفاة حبيبها وحادثة الاغتصاب التي تعرضت لها قبل أيام تعرضت زويا لأزمة نفسية وتخللتها نوبة اكتئاب حادة، مضى أسبوع لم تذق به طعم النوم، منذ ذاك اليوم لم تعد زويا كما كانت، شيء ما بداخلها قد كسر وليس من الممكن إصلاحه تذكرت حينها مقولة قرأتها يوماً.. " بحياة كل حدا فينا في لحظة بتقلب حياتنا رأساً على عقب ومن هاللحظة ماعاد نعرف نرجع متل الأول " 

دخلت إلى غرفتها كي تستريح استلقت على سريرها بينما أغمضت عينيها أحست بأن شيئاً يقبض أنفاسها حاولت أن تصرخ بأعلى صوتها لكن شيئاً ما كان يمنعها من الحركة والكلام مضت بضع دقائق حتى استعادت قوتها، احتضنت جسدها المرتعش لتهدأ أنفاسها المتقطعة رفعت يدها وهي تنظر إلى ارتجاف أناملها فتحت عينيها وحاولت النهوض مسرعةً وترك فراشها لكن هذه الرعشات تفقدها توازنها، أخذت تتلفت حولها وترى أشياء تحيط بها.. ليست أشياء في الواقع بل كانت شياطين، نعم شياطين..

مضى شهراً على هذا الحال كوابيس تتكرر كل ليلة ولا تفارقها، كائنات غريبة تطاردها في نومها تستيقظ مذعورةً صباح كل يوم لتجد على جسدها آثار ندوب وكدمات لم تعرف مصدرها.. 

في بعض الليالي ترى أمامها شبحاً أبيض اللون ينظر إلى الأعلى ويتحدث مع أحدٍ ما ويحاول أن يقتلها.. 

أحياناً ترى قططاً سوداء اللون تقف على نافذة غرفتها وتصدر أصواتاً غريبة وأحياناً أخرى يخيل إليها أصوات أبواب تفتح وتغلق ببطءٍ وأصوات أغانٍ صاخبة وضحكات هستيرية تتعالى من حولها.. 

سئمت زويا هذا الحال وحاولت أن تطرد تلك الأفكار والهواجس من رأسها لكن عبثاً دون جدوى.

هواجس؟! 

أيعقل أن يكون هذا الشيء نتيجة هواجس عابرة وأوهام تتصورها في مخيلتها بسبب الحادثة التي تعرضت لها؟! أم أن زويا كانت ترى ذلك في الواقع؟ يوماً بعد يوم ازدادت الأمور تعقيداً وزادت تلك الهواجس بشكلٍ عجزت زويا عن تحمله.. 

في ليلة من ليالي الشتاء الباردة والمطر يهطل بغزارة والظلام الحالك يخيم على المكان كانت الساعة تقارب الثالثة فجراً بينما زويا مستغرقة في نومها رأت كابوساً مروعاً ولكن هذه المرة كابوس من نوع آخر رآت كائن غريب أسود اللون على هيئة رجل عجوز مفقور العين يقترب من بعيد ويدخل من بوابة وكأنه الوحيد المسلط عليه الضوء وسط تلك العتمة الحالكة.. عجوزٌ على وجهه شبح ابتسامة ساخرة راح يقترب منها حتى صار أمام وجهها وبلحظةٍ.. تحولت الابتسامة إلى ابتسامة كاملة ظهرت فيها أسنانه وأنيابه ملطخةً بالدماء، اتسعت حدقتا عيناها على أخرهما ونظرت بعيداً.. إنه الموت ياإللهي إنه الموت. 

صرخت برعبٍ وحاولت ابعاده عنها لكنه اشتد أكثر فأكثر حتى أصبح يخنقها، بدأ جسدها يتشنج ضمت ساقاً فوق الأخرى وتقوس ظهرها قليلاً، شعرت باختناقٍ في صدرها وبدأت تسمع دقات قلبها بوضوحٍ ثم رآته.. بل رآتهم. 

من هذا ياربي هل هو ملك الموت؟ يا إللهي أرجوك لاتفعل بيّ هذا.. 

اليوم أدركت زويا أنها لن تنسى وأن ماحدث لايزال نصب عينيها مهما حاولت إغلاقهما.. اليوم أدركت أن محاولاتها في نسيان ماحدث لم يحقق نجاحاً فلا ذاكرتها توقفت ولا ذكرياتها انمحت.. اليوم أدركت أن قلبها مازال ينز ألماً وأن ذلك الكابوس سيرافقها طيلة حياتها حاولت مرات عدة أن تتخلص من هذه الكائنات التي ترافقها في نومها ويقظتها لكنها لم تستطع حتى بات ذلك يسيطر عليها كلياً مما دفعها إلى التفكير في الانتحار ظناً منها بأنه الحل الوحيد الذي سيخلصها من هذا الشيء. 

صعدت زويا إلى الطابق العلوي بينما كان الشيطان يستولي عليها وسط لهيبه الحارق ووقفت على سطح البناء ورمت بنفسها إلى الأسفل شعرت وهي تقع بأن شيئاً ما يشدها إلى الأعلى هي لا تريد أن تموت هم من يريدون ذلك حتى في أثناء موتها لا يتركوها وشأنها. 

مسكينة هي..

يا له من قدر لعين حكم عليها بشقاءٍ يسكنها. 

لـ سوسن نبيل عامر 🖋️📜

إرسال تعليق

0 تعليقات