(ندبة كلمة)
كانت الأخاديد تعبر جسدها، كأرض عبرتها عواصفُ، و رسمها مطر عينيها اللوزيتين من جديد، لتشرق روحها بطيف قوس قزح ويعودَ اللون الواهج لوجنتيها، وكل معاركها هذه مخبئة وراء قناع المرأة الجبارة، كل هذا اللين واللطف متقوقعٌ في عمق الذاكرة يرفض الخروج، ولا نافذة للذاكرة سوى العينين.
هاتين العينين الرماديتيّن تحملان من الجمر مايحرق قبيلة و بواديها، خلف هاتين القبضتين المتناوبتين في ضرب الخصم، كانت أمان في مواجهة خصمها الأكبر وهو الخوف.
أمان
لطالما كان اسمي فضفاضاً مقاس شخصيتي، تلك الأخيرة بلورة هشة لقنديل عتيق رقيق، منسيٌّ على رفوف الذاكرة.
لكن حقاً صدقَ من قال *أحزاننا وخيباتنا هي التي تصنعنا*
فخيبة بعد خيبة كانت نار الانتقام تغلي حتى غدا قنديلي شعلة حرة لا تقولبها بلورات هشة، وعندما أعلنت على ضعفي الثورة وجدتني على مقاس اسمي تماماً، ربما تأخرت قليلاً لكن لا بأس أن تصل متأخراً خيرٌ من أن لا تصلَ أبداً.
لنترك أمان تتابع تدريبها، ونتابع جولتنا في المكان، لكن لحظة هناكَ عينان تراقبانها من بعيد، تبوح نظراتها بشوق عارم أقربها، لارتشاف كلماتها و إشعال رماد عينيها بالحب.
كان يستند بقامته الفارعة للحائط ويتأملها، يتذكر كيف كان أول تدريب لها، كم مرة سقطت أرضاً، وكيف تحول جسدها لخارطة من بقع مزرقة وبنفسجية بعد كل تدريب، يملؤه الزهو الآن بأنه مدربها، وكذلك تلوعه الخيبة لعجزه عن معرفة سر غموضها.
يتقدم نحوها بخطواتٍ واثقة و يصفق لها :
_ أحسنتِ يا أمان، يكفي اليوم.
_..... (لا تجيب بل تتابع لكماتها للكيس)
_ أمان، توقفي ألا تسمعينني؟
ازدادت حدة لكماتها و أخذ جسدها يرتجف بشكل واضح، اقترب منها و أمسك كتفيها، التفتت نحوه ولكمته بسرعة وهي تصرخ: ابتعد عني.
تفاجأ مدربها زياد من ردة فعلها وابتعد عنها، انتبهت أمان لنفسها متأخرة و ركضت خلفه معتذرةً: أعتذر جداً، لم أكن بوعيي.
ابتسم دون وعي منه و ردّ عليها: لا عليكِ، لاحظتُ أنّكِ لست على ما يرام.
تصببَ العرق من جبينها و سألتهُ: ماذا لاحظتَ بالضبط؟
أجابها مستغرباً توترها: لم تسمعينني وكنتِ ترتجفين.
مسحت جبينها بظهر يدها وقالت: كنتُ بكامل تركيزي.
وبحركتها البسيطة انتبه زياد لندبةٍ على معصمها، أمسك يدها وسألها: ما هذه؟ (مشيراً للندبة)
سحبت يدها بسرعة و ردت متلعثمةً : جرح قديم....
دوى صدى جوابها في أنحاء قلبها، وهرب ذلك الأخير من وقع الكلمة إلى لحظة وقوعها :
كانت تمشي وحيدةً في باحة مدرستها، التي لطالما ضاقت عليها رغم اتساعها، صامتةً رغم امتلائها بالأطفال وضجيجهم، ربما لأن صوت أفكارها طغى على محيطها؟!
أم لأن طيف وحدتها يخنقها؟
كانت تبحث عن القبول منهم، لكنها تنبذ بطريقة قاسية، وفي ذلك اليوم كانت أقصاها، عندما ارتطمت بها الكرة فأوقعت جسدها الهزيل أرضاً و صفعتها حصاة الباحة تباعاً حتى جرحت معصمها، وعندما اقترب منها الأطفال ليأخذوا الكرة صرخت بهم و رمت الكرة بعيداً مستغربةً الجرأة التي سرت في أوصالها رغم ألمها لكن أكبرهم حجماً أمسك معصمها النازف و شدّ عليه حتى شعرت بالحصاة ترجم روحها ولا تلوث جرحها فحسب...
أعادها من باحة مدرستها صوت زياد: أمان بماذا شردت؟
ردت بصوت مقهور:لا شيء يذكر.
تجاوزت بخطوات سريعة وهي تسترجع الذكريات مجدداً.
الطفل: ستندمين على فعلتكِ هذه.
دفعها أرضاً ومضى مع شلته، تتالت الأيام و أذاهم يزيد، لم يحملوا من الطفولة سوى اسمها ولم تحمل أمان من اسمها سوى حروفه، كانت تعيش في خوف دائم، صراخ وشجار دائم في المنزل، تنمر و نبذ في المدرسة.
عادت أمان لواقعها و مسحت دمعها وهي تهمس بحنق: لن أبكي مجدداً بل سأبكيهم، اقترب موعد تصفية الحساب ولو متأخرة، سأنتقم من كل شخص غذّى الخوف في قلبي يوماً، من كلِّ شخص رماني بأذى ذات يوم.
وفي آخر يومها كانت تجلس أمامها حاسوبها و فنجان قهوتها نديم سهرتها، وبدأت تكتب على مدونتها الشخصية :
هل أبدو متطلبة إذا تمنيتُ حياةً طبيعية؟
والدان طبيعيان لا يذكروني دوماً بأنهما لم ينفصلا كرمى لي، بالمقابل انفصلتُ أنا عنهما.
أصدقاء طبيعيون لا يستخفون بتفاصيل، ولا تعنيهم الصداقة ما لم أكن تابعة لهم مقلدة إياهم.
أيُّ حياة أعيش؟ جحيم في إطار فاخر من الكذب.
ارتشفت القهوة من فنجانها، وأعلن يريدها الإلكتروني وصول رسالة:
" لا لستِ متطلبة أبداً لكن لكلٍّ منا معركته الخاصة"
صديقك شاهد آلامكِ.
رنت كلمته الأخيرة في رأسها، وقررت الثورةَ على معركتها :
يوماً تلو يومٍ عرفتُ خطأي ألا وهو صمتي وضعفي، عاهدت نفسي اليومَ ألا أصمتَ ولو كلفني الأمر حياتي.
وهنا بدأت صرخاتي المكتومة تتبدل بأخرى أقوى عندما قررتُ ألا أحمل لنفسي سوى الحب والحب فقط.
أغلقت حاسوبها وهمست لكن هناك دين وجب رده.
وفي صباح اليوم التالي توجهت بعنوان ذاك الفتى العالق في الذاكرة كما شباك العنكبوت، رأته جالساً خلف مكتبه بذات الغرور، تقدمت منه ولم يعرفها فقد تبدل الشعر القصير بليل حالك يسكن شعرها الحريري الطويل، وتبدلت ترهلات جسدها الغض بقوام ممشوق مشدود، لمعت عيناه عندما بادرته السلام و مدّت يدها، صافحها فشدت على يده و قالت له مشيرةً للندبة: أتذكر ذاك اليوم؟
لم يرد و قد اعتلت ملامحه المفاجأة، تابعت أمان :
يومها هددتني بأنك ستجعلني أندم، وبسببك عشت أسوأ أيام عمري، بفضل تنمرك المستمر وشلتك.
رد متجاهلاً ألمها: لكن تلك الأيام والتصرفات ذهبت وأصبحت من الماضي.
تقدمت نحوه ولكمته أول لكمة: لكنها حاضرة هنا في قلبي و ها هي على جسدي.
لكمته بقوة أكبر وأكملت : كلامك المسموم، و ضربات السامة لم تمحيها الأيام.
و تابعت ضربه حتى سقط أمامها وداست بكعب حذائها العالي على معصمه : والآن أصبحنا متعادلين.
#تمت
ربوع محمد جابر
0 تعليقات