شمسٌ تستيقظُ ببطءٍ غير معهود، وعينان تتفتحان بكسل شديد بعد ليلةٍ ماطرة قضتها تنحب، سيارةٌ فارهةٌ تتوقف تحت شُرفتها ..بعيونها الناعسة وشعرها المُبعثر _ الذي يُخبئه منديلٌ مُلون وقميصُ نومٍ ترفعهُ ليظهر من تحته بنطالٌ قُطنيٌّ مُلون وجُوربٌ فوقو، شالٌ ورثتهُ عن أمها يلف كتفيها، ورذاذُ ماءٍ يتطايرُ من الثياب المَبلولة ويُلامسُ وجهها ليزيد الصّقيع_ تلتقي العينان، أيعقلُ أن يكون هو ؟!
بقامته الذي عشقتْ ووجهه القمحي وكتفاه العريضين، ونظارةٌ تُغطي خلفها أمواجاً زرقاء لطالما أبحرت بِها، هو أقسم أنه هو، بيديها المبلولتان تحاول تسريح شعرها وتعديل منديلها وفردَ فستانِ نومها، أحزانٌ تأكل شغاف قلبها، ودموعٌ وجدتْ طريقها نحو عينيها التي نالت منها التجاعيد، بينما هو ما زال بأبهته ذاتها، بعنفوانه ووقفته ذاتها، شريطٌ يسرع في طياتِ ذاكرتها ليعود بها إلى تلك اللحظات، يوم كان يقف بالسّاعات لتُنهي محاضراتها الجامعيّة وتعدو إلى أحضانه هاربان من عالمٍ بأكمله، يُداعب بكفيه خصلات شعرها الذّهبيّ مكوناً منها جدائلاً ساحرة هامساً لها: لا تدعيه على كتفيك مجدداً، نغارُ أنا والشّمس، توقظُها طرقاتٌ على بابِ سيارته علّها تتنبه وجودهُ، تتلاقى العينان بعد أن كُشف ستارُهما، تومئ لي ؟!!
ويداها تتمسكُ بسور الشرفة، _نعم لكِ، كيف حالكِ؟
لتقومُ فراشاتُ معدتها باحتفالٍ وضجيجٍ جعلها تقبضُ عليها بقوةٍ، تنهيدةٌ قويةٌ تتبعُها خطوات نحو الخلف، باتجاه الباب، بلحظاتٍ على الشّارع العام، نحوهُ وكأنها مازالت غير مُصدقة عينيها
أنتَ؟؟
_اممم أنا
كيف حالكِ ؟؟!
بخير وأنتَ ؟!
_ابنكِ؟! مُشيراً نحو طفلٍ يقفُ في الشّارع
بغصةٍ تأكلُ حنجرتَها: لم أُنجب ..
عقيمٌ هو قلبي عن عشقٍ سواك، امتدَ سوادُ حداده ليشملَ النياط والأوردة، فيوزعُهُ مع الدّم، ليصلَ ستاراً يلفُ الرحم رافضاً التنازل عن ثانيةٍ واحدةٍ يتكونُ بها جنينٌ من غيركَ، هجرني زوجي بعد سبعٍ عجافٍ وأمراضٍ نفسيّةٍ وعصبيّة أوصلتني غرفتي القديمة الّتي تعرفُ طريقها جيداً، شرفةٌ تنعيكَ كلّ يوم جدرانُ مدخلِ حديقتنا تبكي بحرقةٍ مُشتاقةٌ قُبلاتنا وعناقات سرقناها في ليالٍ كان ثالثُنا فيها القمر، وصناديقٌ بعطركَ ومناديلكَ وزهورك التي تعبت فُراقاً لم يكن لها فيه يد، ذكرياتٌ اقتاتت على تلافيف ذاكرتي حتى أُصبتُ بأزماتٍ لم أحفظ اسمها، سمعتُهم مراراً يقولون أنني جننت، وأنني أتحدثُ إلى أطيافٍ ليست موجودة، لم تكن إلا أنتَ ..
لكنني تعافيتْ .. نعم تعالجت وتعافيت الحمدلله .. وباتت الأطياف أوهاماً وسراباً
هل أكمل أم أن جرعات الأحزان باتت مُرتفعةً جداً؟!
برأسٍ يُطرقُ أرضاً يُتمتم: أكملي
قبل وفاة أبي وخوفاً من الوحدة زوجني أحمد، زوجي الحالي
إنه رجلٌ طيب، لديهِ أربعةُ أولادٍ من زوجته السّابقة، جميعهم متزوجون وبعضهم مُسافرٌ، إنه يقاربُ الخامسة والسبعين الآن، كان بصحةٍ جيدة يعملُ على سيارةٍ لنقلِ الرّكاب لكنه منذُ خمسة عشر عاماً أصيبَ بتشوهاتٍ في العمود الفقري أجلسته قعيد الفراش بلا أي حركة آثر حادثٍ أليم، أقومُ بخدمته حتى سيطرت تشوهاتُه على قلبي وجسدي وعيناي، مُتعبةٌ أنا، حقاً أشعرُ بعطركَ سكاكيناً تُقطعُ نياط قلبي وتشكلهُا أراجيحاً للحزنِ والندم
رجاء .. رجااااء
ما بكِ ؟!
يبدو أنكِ نسيتِ تناول دواءك اليوم، دعينا نصعد إلى المنزل
لكن ..
أعلم .. أعلم .. فارس كان هُنا وقال أنه نادمٌ ويشتاقكِ بجنون أعلم
لكن علينا الصعود إلى المنزل، يبدو أن أحمد ينده وصوتهُ ثقب السّقف هيا بنا ..
#Heba
0 تعليقات