أذكر تمامًا تلك الليلة الشتويّة الباردة.؛ صوت تساقط حبّات المطر على زجاج السيّارات مازال عالقًا بأذني حتى الآن، وأذكر أيضاً عندما تصادفت بك، حينها ازدرت ريقي بصعوبة وابتعلتُ غصتي وتمالكت أعصابي لأعاود النظر إليك بعدما أخفيتُ وجهي بكلتا يدي خوفاً ورهباً من حضرة وجودُك قُربي.
صوتاً ما بداخلي نطق بأعلى صوت: "تلك الصدفة المنتظرة منذ زمن يارب" انخفضت عيناي وتسلّلت إلى تلك الأمتار المبتلة بالمطر، تلك الخطوات البلهاء التي تفصلني عنك، تباً لها فهي لاتعلم أن بُعد المشرق عن المغرب لايكفي لزوالك مني بل العمر برمّته يقف عاجزاً عن انتشال ذاك الحب الذي أكنّه بقلبي الصغير لك.
رجوت من الله في تلك اللحظات أن يغيثني بمعجزة الاحتفاظ بذرات الأوكسجين التي تحيط بك داخلي كما يغيث تلك الاشجار، فكلانا عطشى لكن كل منا يا غيثي غيثه!
عاودت رجائي منه بوهبي المقدرة على الإمساك بطيفك لأضعه في حقيبتي المنداة بلآلئ المطر ليكون أنيس وحشتي ليلاً، وسنحت الفرصة لمخيلتي بأن تنهال عليّ بذكرياتينا مثلما كان ينهال عليّ المطر!
ماضٍ عشناه معًا كان مليئًا بالمغامرات، يتخلّله تساؤلاتنا المعتادة؛ كيف سنعمّر منزل أحلامنا بالحب؟
وعن اسم طفلنا الأول الذي قضينا من أجله ليالٍ طويلة ونحن نبحث عنه سويةً، ومن منا سيكبر ويشيب قبل الآخر!! وعن صراعتنا الدائمة حول فصل الشتاء المفضل لدي. أتعلم !! لو كنت أدري بأنك ستتخلى عني في هذا الفصل لكرهته من الصميم من أجلك، لكنك لم تخبرني بذلك.
قطع سلسلة الأفكار أصوات الرعد من حولي، حدقت بك أكثر؛ ما زلت أجدك أمامي فهممت للحاق بك بملابسي المبتللة فكادت أن تُعصَر، فملابسي المثقلة بالدمع الممزوج بحبات المطر ورجفة يديّ وقدميّ وقلبي لم تمنعني من التقدم نحوك، أخذتُ أتنفس الصعداء و بعمقٍ يصل لكل أنحاء جسدي. بدأ زفيري يسابق شهيقي بل ويسابق ضربات قلبي الضرير دونك، اقتربت منك خطوة شعرت كأنني اقترب من حممٍ بركانية! لله درّي كيف لي ألّا أنصهر أمامك!! بل تلك الامطار الغزيرة التي كادت تُغرقني أينها من لهيبي المستعر توقا لك؛ لم آبه لهذا. تقدمتُ خطوة ثانية كان همّي ردم هوّة الشوق بداخلي وروي عطش عيناي بك وتجديد آخر صورة لوجهك الذي احتفظتُ بنسخة منه بين جفوني في آخر لقاء بيننا.
شيئاً فشيء ارتفعت يدي نحوك وعادت خالية الوفاض مليئة باليأس والانكسار والكثير من قطرات المطر المتناثر؛ حالما تيقنت بأنك لست موجود كان قلبي محفوفاً بالرجاء على ألاّ يكون ذلك أحد أشباهك الأربعين بل تكون أنت. سقط قلبي وهوى أرضاً بين أقدامي وخارت قواي واكفهرّ وجهي حزناً،
آه ويحَ قلبي! فلكثرة ما تاقت عيناي لك بتُ أتوهّم طيفك في كل مكان، أرى الوجوه وجهك وأسمع الأصوات صوتُك وأشم العطور عطرك! يالها من تهيآت جميلة مجبولة بوقائع أليمة.
هذا حالي عندما مرّ الشبيه فماذا أحدثك عن حالي معك؟!
0 تعليقات